رسالة مفيدة للشيخ ميمون زبير في تطور الازمان بين يدي امة الاسلام

June 20, 2012 § Leave a comment

الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيئ وهدى للناس والفرقان, والصلاة والسلام على من أنزل إليه القرآن, أنزل عليه من مقر منبعه الأصلي الجَنَان, فتظهر معانيه على ما تقتضيه الطباع حركةً وغيرها  في اللسان والأركان, فكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن وشيمته الغفران, وعلى آله المطهرين من الأرجاس والشرك والخذلان, العترة منهم ورثوا عن جدهم الأعلى صلى الله عليه وسلم في جمع القرآن في الألسنة والأركان والأذهان , وأصحابه الذين هم كالنجوم و الكواكب في السماء يهتدي بهم من اهتدى بهديهم ما زالت أنوار هدايتهم أضائت لهذه الأمة من جيل إلى جيل مدى الدهور والأزمان في المحافل والمجامع وفي كل مكان, حتى احتفظ تنفيذ معاني القرآن ومعجزات معانيه لدى هذه الأمة في كيان أحوالهم ومجاري معاملاتهم في  هذه الديار وفق ما دل عليه القرآن على حسب ما كان عليه أسلاف هذه الامة في العصور الذهبية التي مدحها الرسول صلى الله عليه وسلم بخيريتها وأصلحيتها لهم من بين العصور والأزمان . أما بعد :

فإنه كما لا يخفى على كل مؤمن أن القرآن هو الذي جعله الله تعالى إماما يقتدي به في جميع أفعاله وأقواله وجميع مجاري حياته فردية واجتماعية , بذلك يتحقق معنى اتباعه برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي به يتصور معنى قوله تعالى في قرآنه الكريم ” وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [1]” .

إن القرآن الكريم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ }[2] مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”[3]

وإنه لمعجزة أبدية مستمرة على ممر الزمان وقد  تكفل الله بنفسه ان يحفظ هذا القرآن من التحريف والتغيير وهو أحد اثنين تركهما لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تمسكنا بهما لن نضل أبدا [4] وأوجب الله ورسوله على المسلمين بتمسكه والعمل بمضامينه ولا شك ان التمسك والعمل يتوقف على فهم معانيه وقد اخبر  رسول  الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي على الناس زمان يكون فيه ذهاب العلم فلا يعرفون معاني القرآن ولا يفهمونها وان قرءوه وأقرءوه فيقرءون القرآن ولا يبلغ حناجرهم قال صلى الله عليه وسلم قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ. [5]

وقد تحقق هذا المظهر في زماننا الحاضر من غير نكير فإن كثيرا ممن قرأ هذا القرآن وحفظه هو الجاهلون الذين لا يعرفون من الدين الا أماني وان هم  الا يظنون ولا يكون لهم علم باللغة العربية التي هي الوسيلة الفريدة لفهم معاني القرآن بل الكثير ممن يشتغل بحفظ هذا القرآن هم النساء الجاهلات وكيف  يعمل الإنسان  بهذا القرآن وهو لا يفهم معانيه ؟ وكيف يزداد إيمانه اذا تليت عليه أياته وهو لا يعقل مراده ؟ . فعند ذلك يرفع القرآن الى السماء ويشكو الى ربه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك :

” يأتي على الناس زمان  يرسل إلى القرآن ويرفع من الأرض وفي رواية يسرى على القرآن في ليلة فينسخ من القلوب والمصاحف له دوي حول العرش كدوي النحل يقول : أتلى ولا يعمل بي” (الدر المنثورجزء 5 –  صفحة 335 )

وقال في رواية أخرى “لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الله عز وجل : مَالَكَ ؟  فيقول : منك خرجتُ وإليك أعود أُتْلَى ولا يُعْمَلُ بي” (روح المعاني  جزء 15 –  صفحة 165)

فكما أن القرآن يتلى في اللسان ويسمع في الآذان, كذلك يستقر في القلوب والأذهان واصطفى الله سبحانه من بين أخيار عباده وأصفياء أوليائه من جمع الله له أنواره الظاهرة والباطنة من علمائهم الذين يقال لهم خواص الخواص الذين هم في جميع أحوالهم وأفعالهم ومناطقهم على حسب ما يبرهن ويفيد عليه القرآن فهم في الحقيقة الأئمة الذين يحِق ويجب على هذه الأمة القدوة والتأسي بهم. والأكثر منهم أو الأغلب منهم عترته صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه حديثه صلى الله عليه وسلم ” يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ” [6] إنهم كما جمعوا القرآن في السمع واللسان كذلك جمعوا في القلب والذهن والأركان.

إن من سنة الله فيما عليه مجاري هذه الأمة من لدن أوائلهم وسوابقهم حتى أواخرهم على ما كان عليه تواريخ عصورهم وظروفهم مدى الدهور والأعوام أن الله سبحانه وتعالى  يجدد لهم في كيان تطبيق تعاليم هذا الدين على حسب ما هو مناسب لعصورهم جيلا بعد جيل خصوصا إذا قَلَّ العلم والسنة وكثر الجهل والبدعة  وذلك في رؤوس مئات السنوات قال صلى الله عليه وسلم ” إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا [7] ” اي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويقمع أهل البدعة ويذلهم فمثلا في العصر الاول عصر أصحابه صلى الله عليه وسلم هؤلاء لم يكتبوا ولم يسجّلوا في صحائفهم وقراطيسهم الا القرآن كتاب الله الذي فيه تبيان كل شيئ فكفى به في أيامهم فالقرآن إنما نزل في صدر المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ” قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيْلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مًصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِيْنَ” [8] هكذا يكون الحال في هذا العصر الأول , فإن الصحابة سمعوا كتاب الله مِنْ فِيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل نوره في قلوبهم وترسخ فيها بسبب  النور الذي يتلألأ من وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم فتنوروا بنوره في قلوبهم وجوارحهم.

لا يمكن أن تدوم هذه الحال بعد انقراضهم فتغيرت الأحوال فيُحتاج إلى ما لم يُحتَج في أزمانهم وأيامهم من التجديد الذي يوافق العصر الذين كانوا فيه فيبعث الله طائفة من العلماء الذين جددوا الخطة التي توافقهم فيما بين أيديهم فكتبوا في هذا العصر الأحاديث والأخبار التي تروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم فما زالوا ارتحلوا من مدينة إلى مدينة من مدائن الإسلام لطلب ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسجلوها في صحائفهم وسجلاتهم فوجد فيما بين أيديهم كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وفقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ” يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم “. [9]

ولما ان توسعت النطاق وتغيرت الأحوال فلم يُكْتَفَ فيما بينهم بالرجوع إلى القرآن والأحاديث فقط فقد ازدهرت الشؤون في الأمة وكثرت بينهم الحوادث التي تحتاج إلى الاجتهاد من علماء الإسلام ولكن الله سلم فأظهر فحول علماء الاجتهاد في هذا العصر مثل الإمام الشافعي[10] والإمام أحمد ابن حنبل[11] وغيرهما وانتشر لديهم أن الأدلة الشرعية أربعة القرآن والحديث والقياس والإجماع .

ثم دخل في البلاد الإسلامية ارياح الفلاسفة سواء  أكانت غربية أم شرقية مثل الفلسفة السنسكريتية واليونانية  تعاليم الأفلاط وغيرها فيحتاج الى الأدلة العقلية جانب الأدلة النقلية القرآنية والأحاديثية وكثيرا ما يقال الدين عقل ولا دين لمن لا عقل له وهكذا يكون الدهر والعصر يتجدد ويتغير وما زال علماؤنا يجدون ويجاهدون في هذا الدين حملوا هذه الأمة في التعاليم الإسلامية الحقة على الطريقة التى توافق كل دهور وعصور, وهذا هو معنى قولهم ان الإسلام دين يوافق ويلائم كل ناس مدى الدهور والعصور[12] وهذه هي الأمانة التي لديهم من الله تعالى ووعدهم على حملها الوعد الحق مثل حديث ” إن الله وملائكته يصلون على معلم الخير” وأوعد عليهم على إيضاعتها سوء الوعيد مثل حديث ” أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه  ووجب عليهم حمل هذه الأمة على الثبات بتعاليم هذا الدين حسب ما كان فيهم  من الظروف والأحوال على مقتضى مجاري الأكوان المختلفة الشؤون والخصال المتغيرة تم في العصر الثالث بعث الله تعالى علماء هذه الأمة وقرروا وحرروا قواعد الدين وأصوله على ما كان عليه أهل الكلام مثل الإمام الأشعري[13] والماتريدي[14] وغيرهما من أمثالهما فلم يزل الله سبحانه وتعالى يبعث كل قرن من القرون وعصر من العصور من يجدد لهم في أمور دينهم التجديد الذي بمعنى احياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمرِ بمقتضاهما واماتة ما ظهر من البدع والمحدثات باللسان أو تصنيف الكتب والتدريس وبمعنى إرجاعهم إلى طريقةِ ومنهجِ أسلافهم الصالحين مع مراعاة ما يوافق كيان العصور والقرون التى هم فيها على تداول الدهور والأيام ولما  انقرضت العصور التى كانت الخلافة بأيدى العرب وذلك بسقوط الخلفاء العباسية وظهرت دويلات الممالك ثم تابعهم ظهور السلاطين والخلفاء العثمانية من الأتراك. فالعلماء ما زالوا قدوة وأسوة لهذه الأمة فظهر كذلك المجددون لهذه الأمة وألفوا من قواعد الدين ما ألف من قبلهم حسب ما يوافق مجاري تواريخ حياتهم المتنوعة على معنى حملهم على الرجوع الى تعاليم الدين الحقة ظهر في القرن الرابع الإمام أبي بكر الباقلاني المالكي[15] وفي القرن الخامس الإمام الغزالي[16] صاحب إحياء علوم الدين وفي السادس الإمام الرافعي[17] وأتبعه الله تعالى في هذا القرن الإمام النووي[18] صاحب المؤلفات الكثيرة في الفقه متنا وشرحا والذي هو المقدم قوله من علماء الترجيح للمذهب الشافعي وظهر في القرن السابع الإمام ابن دقيق العيد[19] وفي القرن الثامن الإمام جلال الدين البلقيني وظهر في القرن التاسع الإمام جلال الدين المحلي[20]

والإمام جلال الدين السيوطي[21] وتم لديه أخر فنون علوم الإسلام في اصول التفسير وانتشر في عهده قواعد الفقه وكان هو في أول عهده ادعى بأنه من المجتهدين حتى اضمحل عليه ذلك اتساع فرقة ابواب مجال الاجتهادات هو خاتم المحققين والمجتهدين لم يظهر من بعده من فنون الدين شيء إلا الحواشي الكبار التى تكون عمدتهم فيها النقل والرواية من أقوال اسلافهم المعتبرين فظهر في القرن العاشر مثل الإمام علي الشبرامليسي والإمام ابن حجر الهيتمي[22] المصري ثم المكي وانتشر المعارف الدينية الى المشارق حيث ان تلمذ عند ابن حجر الهيتمي الشيخ زين الدين المليباري صاحب كتاب فتح المعين الذي تم نفعه في بلادنا إندونيسيا وفي هذا القرن اي القرن العاشر تغيرت الظروف والأحوال فكان هذا العصر الإسلامي بداية في السقوط والانحطاط في جميع المناطق والأنحاء وجاء أوان الانحطاط على المسلمين بارزا وظاهرا بظهور دخول المستعمرين الغربيين في القارات المعمورة التي الأغلبية الساحقة فيها المسلمون عربا وعجما يبد انه هؤلاء هم الأمة المحمدية الأمة المرحومة الأمة الذين ما زالوا خيار الناس وما زالوا في  كل الأيام سعداء الناس وخيارهم فبعث الله سبحانه في المائة الأولى بعد تمام القرن العاشر الإمام جعفر البرزنجي صاحب كتاب المولد النبوي المشهور وكتاب اللجين الداني في ذكر مناقب الإمام القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني[23] والإمام الحبيب السيد عبد الله الحداد صاحب التآليف الكثيرة التي كانت هي مراجع أهل السنة والجماعة الذين هم الطائفة الناجية من بين طوائف متباينة ملحدة ومن بعض أوراده الراتب المشهور المتكفل بالأدعية والأذكار النبوية وظهر بعد ذلك في القرن الثاني بعد الألف الإمام الرباني العلامة أحد عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيخ الإمام المرتضى[24] صاحب شرح إحياء علوم الدين المسمى باتحاف سادات المتقين الذي تم نفعه في الأنحاء والبلاد مرجع علماء أهل السنة والجماعة وأول من لازمه من علماء جاوى كياهي عبد  المنان حين مقامه بمكة المشرفة فروى عنه ذاك الكتاب وروى عنه ابنه كياهي عبد الله بن عبد المنان ثم روى عنه ابنه كياهي محفوظ الترمسي فروى عنه كياهي فقيه المسكوممباني وروى عنه تلميذه والدي كياهي زبير دحلان ثم رويته عنه, وبعث كذلك في هذا القرن أي الثاني بعد الألف المجدد الشهير السيد أحمدالمرزوقي صاحب المنظومة عقيدة العوام التي عمت في البلاد الإسلامية شرقا وغربا وخصوصا في بلادنا إندونيسيا وبعث في القرن الثالث بعد الألف أجلاء علمائه في رأس هذا القرن من أهل البيت منهم السيد أحمد زيني دحلان[25]  والسيد بكري شطا وغيرهما من علماء أهل مكة المشرفة وقد مضى علينا سنوات كثيرة في هذا القرن أي القرن الرابع بعد الألف فمن من علماء هذا القرن الذين هم من المجددين ؟[26] نرجو من المولى تجديده بأحد خواصه المقربين وقد تصدر من علماء هذا القرن عدد منهم بل بعضه من لم يزل إلى اليوم على قيد حياته المباركة مثل العلامة صاحب التآليف العديدة السيد زين بن سميط المقيم بالمدينة المنورة والعلامة السيد فَرْفُور المصري والعلامة السيد حسام الدين الدمشقي وأخيه العلامة عبد اللطيف ابنا السيد صالح فَرْفُور ومنهم الذي قد قضى نحبه ولقي ربه مثل فضيلة العلامة مسند الدنيا أبي الفيض الشيخ محمد ياسين بن عيسى الفاداني وفضيلة العلامة السيد محمد علوي المالكي كلاهما عمدتي في الرواية دراية ورواية في الأحاديث والكتب الدينية .

الشيخ ميمون زبير مع الشيخ رجب صبحي ديب والشيخ هشام قباني

زوال الأرقاء في هذا العصر وتعسر الجهاد في سبيل الله

وتعذر إقامة الحدود فيه

اعلم ان احكام القرآن لا تنسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بان بعضها لم يستطع المسلمون العمل به مثل عتق الرقبة في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار وكفارة اليمين  وذلك لأن الأرقاء قد أبطلتها قوانين الأمم المتحدة فانقرض بذلك أيضا مصرف عتق الرقبة الذى هو أحد مصارف الزكاة الثمانية المنصوصة في القرآن الكريم نص على ذلك من العلماء المعاصرين الشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت والشيخ يوسف القرضاوي.

وقد قال أيضا في بغية المسترشدين : (مسألة ي) تجب معرفة أصناف الزكاة الثمانية على كل من له مال وجبت زكاته والموجودون الآن في غالب البلاد خمسة الفقراء والمساكين والغارمون والمؤلفة وابن السبيل .اعلم ان احكام القرآن لا تنسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم بان بعضها لم يستطع المسلمون العمل به مثل عتق الرقبة في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار وكفارة اليمين  وذلك لأن الأرقاء قد أبطلتها قوانين الأمم المتحدة فانقرض بذلك أيضا مصرف عتق الرقبة الذى هو أحد مصارف الزكاة الثمانية المنصوصة في القرآن الكريم نص على ذلك من العلماء المعاصرين الشيخ رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت والشيخ يوسف القرضاوي.

ومثل عتق الرقبة اقامة الجهاد فانها فريضة من فرائض الإسلام ونعتقد بانها ماضية الى يوم القيامة ولكن لتعسرها وتعذرها في هذا العصر تعطلت فريضة الجهاد وذلك لعدم وجود إمام أو أمير في هذا العصر يأمر جنوده بالجهاد في سبيل الله ويكون جنة بين يدي المسلمين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ “, وفي رواية البخاري : ” مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ ” “[27] فلم نزل ننتظر ظهور ذلك الإمام أو الأمير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ ” [28] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ[29].

ومثله أيضا إقامة الحدود لعدم وجود الدول المقننة لأحكام الحدود الشرعية الا المملكة العربية السعودية ببركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والحرمين الشريفين وغيرها مما تعطلت وانتقرضت من الأحكام الشرعية في هذا العصر الحاضر وقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمان بعيد وهو الصادق المصدوق فقال ” لَتُنْتَقَضَنَّ عُرَى الاِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالتي تَلِيْهَا فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا : الحُكْمُ وَآَخِرُهُنَّ : الصَّلاةُ “. [30]

فالأحكام القرآنية أو الشرعية التي لم نستطع العمل بها لا يجوز تبديلها وتغييرها من قبل أنفسنا ولاسيما بدعوى الاجتهاد والاستنباط وانما الواجب علينا تجاهها العمل بما امكن في حدود أنفسنا وأسرنا وأهلينا وخدمنا ومن تحت رعايتنا قال تعالى ” لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ” [31],   وقال : ” لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا أتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ” [32] وعلينا أن نأسف ونحزن ونتحسر على تعطيلها وعدم تنفيذها والصبر وانتظار الفرج من الله تعالى حتى يجيء الأوان ويأتي الإبّان لتطبيقها والعمل بها وان لانزال موقنين بحقية تلك الأحكام المعطلة وانها أحكام الله اللطيف الخبير العليم بمصالح العباد ونعتقد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان ولكل أمة وشعب ووفاءها بحاجات البشر[33] وان المسلمين لو عملوا بها واحتكموا إليها لكان في ذلك سعادتهم وعزتهم في الدنيا والأخرة .

انقراض زكاة النقدين من الذهب والفضة

إن الزكاة فرض من فروض الإسلام ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة النبوية التي بينت أنواع الأموال التى تجب فيها ومقاديرها وشروط الوجوب – وهي فريضة ذات أثر بعيد في المجتمع من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية والمالية – فوق انها عبادة تقوم على النية, والعبادات في الإسلام ينبغى التوقف عند نصوصها دون تجاوزها إلا بقدر الضرورات التشريعية وبالقواعد الأصولية المقررة, وقد أجمع المسلمون على وجوب الزكاة في النقود من الذهب والفضة وعلى المقدار الواجب فيها.

إن الذهب والفضة لمعدنان نفيسان اودع الله فيهما من المنافع والخصائص  الطبيعية ما لم يودعه في غيرهما فلا غرو ان اتخذهما الناس منذ العصور البعيدة نقودا وأثمانا للأشياء ومن تلك الخصائص ثباتهما على حالهما وعدم قبولهما للصدأ والتآكل وثبات قيمتهما نسبيا وامكان تجزئتهما إلى أجزاء صغيرة مع بقاء القيمة النسبية للأجزاء وصعوبة الغش فيهما لسهولة تمييز الزائف بمجرد الرؤية وسماع الرنين.

فمن هنا نظرت الشريعة اليهما نظرة خاصة واعتبرتهما ثروة نامية بخلقتهما فاوجبت فيهما الزكاة وتوعدت على من كنزهما دون انفاق في سبيل الله قال جل وعلا: “والذين يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُوْنَهَا فِيْ سَبِيْلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيْمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوْبُهُمْ وَظُهُوْرُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوْقُوْا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُوْنَ”.[34]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدا لما نبه عليه القرآن: “مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلا إِذَا كَانَ يَوْم القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنَ نَارٍ فَاُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ  فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِيْنُهُ وَظَهْرُهُ” [35] كل هذا الوعيد لمن لم يؤد حق الذهب والفضة وذلك الحق هو الزكاة كما صرح به في رواية أخرى.

وحين بعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانت العرب يتعاملون بهذين النقدين الذهب في صورة دنانير والفضة في صورة دراهم وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وفرض زكاة الأموال في الدراهم والدنانير فبذلك اعتبر كلا من الذهب والفضة نقدا شرعيا ورتب عليهما أحكاما كثيرة كما في الزكاة والربا والمهر ونصاب قطع يد السارق والديات وغيرها.

 وهكذا أمر الذهب والفضة إلى أن حدثت الحرب العالمية الأولى تغيرت الحال وتحول الأمر الى ان اصبح الناس الآن يجعلون الأوراق النقدية اساس التعامل بينهم وصارت هي العملة السائدة المنتشرة في العالم بل ولم يعد يرى الناس الذهب قط في المعاملات ولا يرون الفضة الا في الأمور التافهة فمن هنا انقرض الآن كون الذهب والفضة نقدين يجرى في الناس التعامل بهمافانقرض بذلك أيضا زكاة النقدين [36] التى شغل علماءنا الأقدمون ببيانهما وملأ كتبهم بذكرها.

وضع الجزية وعدم من يقبل الزكاة والصدقة

بنزول عيسى عليه السلام

لا يسوغ لمن انضوى تحت راية الإسلام  وانتسب للحنيفية البيضاء أن ينكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله آخر الزمان إلى الأرض و قتله الدجال ومكثه حاكما فيها بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سنين ثم موته كما صح واستفاض من الأحاديث الأتية ونصوص العلماء فمن ذلك :

&  الدر المنثور    [ جزء 4 –  صفحة 176]

هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون  (33)

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن جابر رضي الله عنه في قوله ليظهره على الدين كله قال : لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني صاحب ملة إلا الإسلام حتى تأمن الشاة الذئب والبقرة الأسد والإنسان الحية وحتى لا تقرض فأرة جرابا وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وذلك إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام.

&   حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } [37]

 

خاتمة

 

في هذا القرن أي القرن الرابع بعد الألف قد انتهى الأمر إلى ما هو عليه الغاية والنهاية من حيث إن حياة الإنسان قد انتهت إلى أمور وشؤون مبتدعة لا تعرف أمثالهما فيما قَبلُ, فالأمور قد تتبدل بمبتدعات خطيرة في ميادين ومراحل الأكوان الموجودة بظهور المعارف الحديثة فيما يتعلق بالتكنولوجية الحاضرة[38] فلا يتمكن لأحد من الناس الحياد وعدم الانحياز عن المساهمة في سير هذه الأمواج الهائلة التي كادت أفكار الناس قد اشتبكت في شبكاتها المتسعة الأطراف فقليل جدا من أهل هذا القرن من له اهتمام بما يتعلق بالدين وبالدفاع عن مقدسات التعاليم الاسلامية الحقة فحقا ان هذه الطائفة من الغرباء الذين في حقهم يقول الرسول صلى لله عليه وسلم : ” فَطُوْبي لِلْغُرَبَآءِ ” [39] حقا انه لقد صدق الرسول صلى لله عليه وسلم في بعض أحاديثه : ” لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ” [40].

كما أن هناك واعظا صامتا وهو الموت فإن القرآن واعظ ناطق بمعنى أن مستقره فى قلوب العلماء النابضة بذكر الله الذين هم ورثة الأنبياء, إلا أنه قد انقرض أكابر العلماء فى هذا القرن ولم تزل الظروف الحالية تبرهن على اندراس اهتمام ناشئي هذا العصر للالتحاق على هؤلاء والانتساب إلى كتبهم ومناهجهم, فكلما ازدادت الأيام والأعوام ازدادت القلة والغرابة  على من فى هذه المثابة.

إن من أراد الثبات على تعاليم الدين فى مثل هذا العصر فلابد وأن يكون لديه مدارك ومعارف لم تكن معهودة فى الأيام السالفة فمثلا حال المسافر فى الطائرة كيف يكون عليه في صلواته؟ الى اين يتوجه ؟ وكيف تكون طهارته فهل يصلى الى حيث يتوجه على حد قوله تبارك وتعالى : ” فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ” [41] ؟ وهل هو يتيمم كما كان بعض المذاهب أو هل يصلى لحرمة الوقت ؟

وفى الطواف عند البيت مثلا لم يتمكن لاحد منهم ان يحترز من ملامسة أقدامه بأقدام النساء من شدة التزاحم بينهم وبينهن مع أن ذلك عند مذهب الإمام الشافعي من مبطلات الطهارة التي هي من شروط الطواف.

ومن واجبات الحج المبيت بمنى : وبسبب كثرة الحجاج في هذا العصر لايتمكن لجميع الحجاج الوقوف فيه فكيف يكون حكم من يبيت بغير أرض منى ؟ إلى غير ذلك من المسائل الحديثة التي حدثت فى الوقت الحاضر مع أنه ورد فى الحديث عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ” إذا ظهرت البدع وسب أصحابي فعلى العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين قال قلت للوليد وما إظهار علمه قال السنة قال وسئل أبو بكر بن عياش وعباد بن العوام فقال السنة”  إسناده ضعيف[42]. إن القرآن لايتغير ولايأتيه التغيير أبدا وإن العمل به علي ما يقتضيه حكمه هو معنى الامتثال بامر الله والانزجار عما نهاه إلا أنه قد ظهر علينا كثير من الشرائع القرآنية لايتأتى العمل بمقتضاه لأنه قد انمحى وجود ذلك فى هذه الدنيا كعتق الرقبة على  القاتل العامد وغيره أو لتغير الأمور بسبب تغير علل حكمها كأنصبة الأموال الزكوية وقدر الواجب فيها بين العشر ونصف العشر فى الزراعة على حسب سقايتها بماء السماء أو بما هو أمثال الدواليب, و فى هذه الايام – كما هو معروف – أن مؤنة الزراعة تتغير, فالأراضي أصبحت لاتصلح للزراعة إلا بالمواد المصنوعة بالوسائل الحديثة الكيماوية (الإسمنت) التى تحتاج إلى مؤنة كثيرة بخلاف الأراضي في الأزمنة السابقة التي يمكن تخصيبها بالسراجين وفضولات الحيوانات.

من هذا كله فقد ظهر علينا مظاهر صدق النبوة ففى الحديث : ” لَتُنْتَقَضَنَّ عُرَى الاِسْلاَمِ عُرْوَةً عُرْوَةً فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالتى تَلِيْهَا فَاَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الحُكْمُ وَاَخِرُهُنَّ الصَّلاةُ “[43].لاَ

صحيح أن وجوب العمل بمقتضى الأحكام القرآنية التي لم نستطع إنجازها لا يجوز تبديله أو تغييره إلا أن الواجب علينا العمل تجاهه بما أمكن. فمثلا فيما نبت في الأرض على من يتمذهب بمذهب الإمام الشافعي إنما تجب الزكاة منه فيما يقتات به ولا تجب في مثل الخضروات خلاف ما كان عليه بعض المذاهب الأُخر مع أن كثيرا من الخضروات والفواكه في هذا العصر أعظم إيرادا في الاقتصاد من الأقوات أو مساوته لها. قال الله تعالى : يَآ أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ اْلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا اْلخَبِيْثَ مِنْهُ تُنْفِقُوْنَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيْهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيْهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيْدٌ [44]. ففي تفسير ابن كثير ج 1 ص 428 : يعني الذهب والفضة ومن الثمار والزروع التي أنبتت لهم الأرض, وفي الطبري ج3 ص80 : قوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم أي زكّوا وتصدّقوا يقول يعني بذلك جل ثناءه زكوا من طيب ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة وإما بصناعة من الذهب والفضة ثم قال أنفقوا أيضا مما أخرجنا لكم من الأرض فتصدقوا وزكوا من النخل والكرم والحنطة والشعير ومما وجبت فيه الصدقة من نبات الأرض, وفي التفسير الكبير ج 7 ص 54 ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان0 ثم قال ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الارض.

هذه الآية القرآنية اختلف في تفسيرها المفسرون, وباختلاف ذلك اختلفت المذاهب الأربعة – فبكل ذلك من الاختلاف بين العلماء المجتهدين وتغير أوضاع هذا العصر ينبغي على من هو القدوة لهذه الأمة أن يختار من الأقوال ما هو أصلح لهذه الأمة في العمل بمقتضى هذه الآية القرآنية على ما هو الأصلح والأقرب إلى تطبيق إحياء روح مجرى القواعد الشرعية مثل إيجاب زكاة الأوراق النقدية ؟.

ومثل هذه الأوجه الفقهية في الزكاة أمرُ الجزية والفيئة والغنيمة والخراج وغيرها فقد لا يُوجد كل ذلك في البلاد الإسلامية. وماذا قلتم لهؤلاء السادة العلوية الذين حرم عليهم الأموال الزكوية بعد ما انعدمت حظوظهم من نحو الفيئ والغنيمة, ألا تحل لهم الأموال الزكوية ؟ ففي الميزان الكبرى ج 2 ص17 : وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : تحريم الصدقة على بني هاشم وبني المطلب تحريم تعظيم وتشريف وتنزيه لهم عن أخذ أوساخ الناس لا إثم عليهم لو أخذوها اهـ.[45]

هذا ما كتبت في هذه العجالة بعد ما رأيت في هذه الأكوان من التغيرات العظيمة التي كان من عواقبها ونتائجها ما لا بد من مجابهتها ومقابلتها  بالوسائل التي تناسبها لأجل الدفاع عن مقدسات هذه الشريعة وإصلاح إجراءها في هذا العصر كما هو عليه رسالة أسلافنا السابقين وإلى الله أفوض أموري وما زلت أتذكر ما هو مضمون قوله تعالى : وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ اْلمُحْسِنِيْنَ[46]. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين

 

والله أعلم

 

 

كتبه بقلمه وبنانه الفقير ميمون زبير

يوم الأحد 7 صفر 1428 هـ

الموافق 25 فبرواري 2007 مـ.


1.  الحشر : 7

2.   الجن : 1 – 2

3.   سنن الترمذي – (ج 10 / ص 147), وفي تحفة الأحوذي – (ج 7 / ص 225) :

عَنْ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ الْحَارِثِ قَالَ مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلاَ تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ قَالَ وَقَدْ فَعَلُوهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَلاَ إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ فَقُلْتُ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلاَ يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

قَوْلُهُ : ( فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ ) أَيْ أَحَادِيثِ النَّاسِ وَأَبَاطِيلِهِمْ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْحِكَايَاتِ وَالْقَصَصِ وَيَتْرُكُونَ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ وَمَا يَقْتَضِيه مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْآثَارِ ، ( وَقَدْ فَعَلُوهَا ؟) ( سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ) أَيْ عَظِيمَةٌ . قَالَ اِبْنُ الْمَلَكِ : يُرِيدُ بِالْفِتْنَةِ مَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ خُرُوجَ التَّتَارِ أَوْ الدَّجَّالِ أَوْ دَابَّةِ الْأَرْضِ اِنْتَهَى . ق ( قَالَ كِتَابُ اللَّهِ ) أَيْ طَرِيقُ الْخُرُوجِ مِنْهَا تَمَسُّكُ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ ( وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ ) وَهِيَ الْأُمُورُ الْآتِيَةُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَفِي الْعِبَارَةِ تَفَنُّنٌ ( وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ) أَيْ حَاكِمٌ مَا وَقَعَ أَوْ يَقَعُ بَيْنَكُمْ مِنْ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ . وَالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ وَسَائِرِ شَرَائِعِ الْإِسْلاَمِ ( وَهُوَ الْفَصْلُ ) أَيْ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ( لَيْسَ بِالْهَزْلِ ) أَيْ جِدٌّ كُلُّهُ ، وَحَقٌّ جَمِيعُهُ لاَ يَأْتِيه الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ .  وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ( مَنْ تَرَكَهُ ) أَيْ الْقُرْآنَ إِيمَانًا وَعَمَلًا ( مِنْ جَبَّارٍ ) بَيَّنَ التَّارِكَ بِمِنْ جَبَّارٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى التَّرْكِ إِنَّمَا هُوَ التَّجَبُّرُ وَالْحَمَاقَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ : مَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِآيَةٍ أَوْ بِكَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِمَّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَوْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا مِنْ التَّكَبُّرِ كُفْرٌ ، وَمَنْ تَرَكَ عَجْزًا أَوْ كَسَلًا أَوْ ضَعْفًا مَعَ اِعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ، أَيْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ مَحْرُومٌ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( قَصَمَهُ ) أَيْ أَهْلَكَهُ أَوْ كَسَرَ عُنُقَهُ ، وَأَصْلُ الْقَصْمِ الْكَسْرُ وَالْإِبَانَةُ ( وَمَنْ اِبْتَغَى الْهُدَى ) أَيْ طَلَبَ الْهِدَايَةَ مِنْ الضَّلاَلَةِ ( فِي غَيْرِهِ ) مِنْ الْكُتُبِ وَالْعُلُومِ الَّتِي غَيْرُ مَأْخُوذَةٍ مِنْهُ وَلاَ مُوَافَقَةٍ مَعَهُ ( أَضَلَّهُ اللَّهُ ) أَيْ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَأَوْقَعَهُ فِي سَبِيلِ الرَّدَى ( وَهُوَ ) أَيْ الْقُرْآنُ ( حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ) أَيْ الْحُكْمُ الْقَوِيُّ ( وَهُوَ الذِّكْرُ) أَيْ مَا يُذْكَرُ بِهِ الْحَقُّ تَعَالَى ، أَوْ مَا يَتَذَكَّرُ بِهِ الْخَلْقُ ، أَيْ يَتَّعِظُ ، ( الْحَكِيمُ ) أَيْ ذُو الْحِكْمَةِ (هُوَ الَّذِي لاَ تَزِيغُ) أَيْ لاَ تَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ ( بِهِ ) أَيْ بِاتِّبَاعِهِ ( الْأَهْوَاءُ ) أَيْ الْهَوَى إِذَا وَافَقَ هَذَا الْهُدَى حُفِظَ مِنْ الرَّدَى ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لاَ يَصِيرُ بِهِ مُبْتَدِعًا وَضَالًّا ، يَعْنِي لاَ يَمِيلُ بِسَبَبِهِ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لاَ يَقْدِرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ عَلَى تَبْدِيلِهِ وَتَغْيِيرِهِ وَإِمَالَتِهِ ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ ، فَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ ، وَقِيلَ الرِّوَايَةُ مِنْ الْإِزَاغَةِ بِمَعْنَى الْإِمَالَةِ وَالْبَاءُ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ ، أَيْ لاَ تُمِيلُهُ الْأَهْوَاءُ الْمُضِلَّةُ عَنْ نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى الِاعْوِجَاجِ وَعَدَمِ الْإِقَامَةِ ، كَفِعْلِ الْيَهُودِ بِالتَّوْرَاةِ حِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ ، قَالَ تَعَالَى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ( وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ ) أَيْ لاَ تَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك } { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } ( وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ ) أَيْ لاَ يَصِلُونَ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِكُنْهِهِ حَتَّى يَقِفُوا عَنْ طَلَبِهِ وُقُوفَ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ مَطْعُومٍ بَلْ كُلَّمَا اِطَّلَعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ حَقَائِقِهِ اِشْتَاقُوا إِلَى آخَرَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَكَذَا فَلاَ شِبَعَ وَلاَ سَآمَةَ ( وَلاَ يَخْلَقُ) مِنْ خَلُقَ الثَّوْبُ إِذَا بَلِيَ ، وَكَذَلِكَ أَخْلَقَ (عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ )، أَيْ لاَ تَزُولُ لَذَّةُ قِرَاءَتِهِ وَطَرَاوَةُ تِلاَوَتِهِ ، وَاسْتِمَاعُ أَذْكَارِهِ وَأَخْبَارِهِ مِنْ كَثْرَةِ تَكْرَارِهِ .( وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ) أَيْ لاَ تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا ( هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ ) أَيْ لَمْ يَقِفُوا وَلَمْ يَلْبَثُوا ( إِذْ سَمِعَتْهُ ) أَيْ الْقُرْآنَ (حَتَّى قَالُوا ) أَيْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَمْ يَمْكُثُوا وَقْتَ سَمَاعِهِمْ لَهُ عَنْهُ بَلْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ لَمَّا بَهَرَهُمْ مِنْ شَأْنِهِ ، فَبَادَرُوا إِلَى الْإِيمَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَاهَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ ، وَبَالَغُوا فِي مَدْحِهِ حَتَّى قَالُوا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } أَيْ شَأْنُهُ مِنْ حَيْثِيَّةِ جَزَالَةِ الْمَبْنَى ، وَغَزَارَةِ الْمَعْنَى { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} أَيْ يَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ أَوْ يَهْدِي اللَّهُ بِهِ النَّاسَ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ { فَآمَنَّا بِهِ } أَيْ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِرَسُولِ اللَّهِ ( مَنْ قَالَ بِهِ ) مَنْ أَخْبَرَ بِهِ ( صَدَقَ) أَيْ فِي خَبَرِهِ ، أَوْ مَنْ قَالَ قَوْلًا مُلْتَبِسًا بِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَى قَوَاعِدِهِ ، وَوَفْقَ قَوَانِينِهِ وَضَوَابِطِهِ صَدَقَ ( وَمَنْ عَمِلَ بِهِ ) أَيْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ( أُجِرَ ) أَيْ أُثِيبَ فِي عَمَلِهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَسِيمًا ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَحُثُّ إِلاَ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلاَقِ وَالْأَعْمَالِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ ( وَمَنْ حَكَمَ بِهِ) أَيْ بَيْنَ النَّاسِ ( عَدَلَ ) أَيْ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَ بِالْحَقِّ ( وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ : رُوِيَ مَجْهُولاً أَيْ مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْقُرْآنِ وُفِّقَ لِلْهِدَايَةِ ، وَرُوِيَ مَعْرُوفًا كَأَنَّ الْمَعْنَى مَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ هَدَاهُمْ اِنْتَهَى.

4.    كما في المستدرك على الصحيحين للحاكم (ج 1 / ص 306), موطأ مالك (ج 5 / ص 371), السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 114), الشريعة للآجري (حـ. 1658 ج 4 / ص 392), دلائل النبوة للبيهقي – (ج 6 / ص 54).

 5.    صحيح البخاري

6.    سنن الترمذي – (حـ. 3718 ج 12 / ص 256), قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

7.    سنن أبي داود – (ج 11 / ص 362), وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْح الْقَدِير : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَلاَحِم وَالْحَاكِم فِي الْفِتَن وَصَحَّحَهُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَاب الْمَعْرِفَة ، كُلّهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة . قَالَ الزَّيْن الْعِرَاقِيّ وَغَيْره : سَنَده صَحِيح . اِنْتَهَى, المعجم الكبير للطبراني – (حـ. 1118 ج 19 / ص 467) باب قطعة من المفقود.

8.   البقرة : 97

9.   المستدرك على الصحيحين للحاكم (ج 1 / ص 306), موطأ مالك (ج 5 / ص 371), السنن الكبرى للبيهقي (ج 10 / ص 114), الشريعة للآجري (حـ. 1658 ج 4 / ص 392), دلائل النبوة للبيهقي – (ج 6 / ص 54).

10.   محمد بن إدريس (150 – 204 هـ./767 -820 مـ.)

11.   أحمد بن حنبل (164 – 241 هـ. / 780855 مـ.)

12.   ولا ريب أن الشريعة الإسلامية (وهي من وضع خالق الكون ذاته)وافية بهذا الذي يقرره العقل الإنساني أتم الوفاء. ففيها أحكام ومبادئ ثابتة لأنها ذات صلة مباشرة بمحاور كونية ثابتة لا تتبدل وفيها أحكام وفروع كثيرة هي عرضة للتطور والتغيير لأنها منوطة بنسج وقائع كونية متطورة. فحرمة الربا إنما كانت حكما مستمرا ثابتا لا يتغير, لأنها مرتبطة بواقع كوني هو الآخر لا يتغير, وهو أن القيمة ظِلٌّ تابع للمنفعة الإنسانية, فما ينبغي أن تنمو القيمة أو تتسامى في جوهرها إلا حيث تنمو المنفعة أو تزداد أهميتها. ومهما تطور الدنيا فإن هذه الحقيقة لا تتطور. غير أن الشريعة عند ما حددت المنافع المتقومة وبنت عليها الأحكام الكثيرة لم تجزم فيها بحكم ثابت, بل فتحت عليها باب التطوير والتغيير. ذلك لأنها تتصل بأمور متطورة ومتبدلة, فرب شيئ كان مهملا من حياة الإنسان لا ينتفع به, ثم أتى عليه دهر جعله بأمس الحاجة إليه, فإذا هو داخل في قوام عيشه أو أسباب سعادته, وإذا هو في حكم الشارع من أهم المنافع الإنسانية وتدور عليها عندئذ أحكام جديدة, تبعا لما قد طرأ عليها من تقلبات الأحوال والظروف. والأحكام الشريعة الإسلامية كلها لا تخرج عن الانتماء إلى هذين المثالين : ثابت لا يتبدل, لأنه مرتبط بنظيره من وقائع الكون وسنن الحياة الإلهية, أو معرض للتطوير والتغيير, لأنه مرتبط بما لا استقرار له من شؤون الكون والحياة. وإننا لنلاحظ هذه الحقيقة عند ما نتأمل في مصادر الشريعة الإسلامية الأصلية منها والتبعية فإن معظمها منفتح على تطورات الكون و الحياة والتأثر بها والدوران معها. فالحكم القياسي يذهب ويأتي حسب مصير علته. والأحكام المترتبة على قاعدة الاستصلاح أو دليل الاستحسان أو مبدأ سد الذرائع أو ما يقضي به العرف – كلها عرضة للتبدل والتطور حسب تبدل مناطاتها ومحاورها المرتبطة بها. بل إن الإجماع – وهو من من المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية والتي تكسب الحكم درجة القطع واليقين – قد يتعرض حكمه للنسخ والزوال عند ما يكون مستند الإجماع مجرد مصلحة زمنية, كما نص علىذلك الإمام البزدوي في أصوله.

وبعبارة أخرى : إن الحقائق الإسلامية كلها ثابتة لا تتطور, ولكنها تبعث المسلمين على أن يطوروا أنشطتهم وفعاليتهم, وأن يسيّروا بها قدما طبق ما تقتضيه مصالحهم التي حدد الإسلام ببيان راسخ معالمها وأنواعها, وأقام سلم الأولويات لتنسيق ما بينها. وهذه الأنشطة أو المصالح ما كانت داخلة يوما ما في شيئ من حقائق الإسلام ولبابه. وفرق كبير بين قولنا إن الإسلام يتطور ويخضع للإصلاحات التي ينبغي أن نتداركه بها (وهذا خطأ فادح) وبين قولنا إن الإسلام ثابت في حقائقه وأحكامه كلها, ولكنه يبعث المسلمين إلى تطوير حياتههم طبقا لنهج معين وسلم مرسوم (وهذا كلام سليم لا إشكال فيه). ولو عقل هؤلاء الذين يظلون ينعتون الإسلام بالتطور – من منطلق المدح له فيما يزعمون – لعلموا أن الدين الذي يتطور مع الزمان مآله إلى الزوال والاندثار … وأن الدين الذي يبعث أتباعه ومعتنقيه على التطور في مدارج الصلاح المستمر, يجب أن يكون ثابتا وراسخا لحد ذاته, وما ثباته إلا بثبات مبادئه وأركانه وأحكامه. وهكذا كان تعامل المسلمين مع إسلامهم في العصور الثلاثة الأولى من عمر الإسلام. لم يبدلوا من أحكامه شروى نقير, ولكنهم طوروا أنفسهم في الوقت ذاته, على هديه وبإيعاز منه, أكثر مما طور المسلمين أنفسهم بعد ذلك إلى يومنا هذا. ولأضرب بعض الأمثلة لتجلية هذه الحقيقة :

  • إن من الحقائق الإسلامية الثابتة, وجوب النهوض بالدعوة إلى الله وتعريف الناس بالإسلام, وتحببيبه إليهم وأمرهم بعد ذلك بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وحسبنا دليلا على أن هذا واحد من الأحكام الجوهرية للإسلام, قول الله عز وجل :” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن “. [ النحل : 125 ] وهو من ثم حكم ثابت لا يلحقه أي تغيير أو تبديل. غير أن هذا الحكم يتصل بأنشطة سلوكية كثيرة في حياتنا وواقعنا المعاش, تتصل ببناء الجامعات وإقامة الأساست التعليمية والتثقيفية, والعكوف على إخراج المؤلفات العلمية التي تخدم هذا الحكم, كما يتصل بإنشاء دور نشر ومطابع والاستعانة بأجهرة إعلام وإيجاد مناخات ملائمة للنقاش والحوار. وكل ذلك خاضع للتطور على عوامل اختلاف الأزمنة والأمكنة, وتبدُّل والوسائل وتطورها بموجب التقدم أو التخلف الحضاري. إن الحكم المتصل بهذه الأنشطة, على الرغم من ثباته ورسوخه من الزمن, يبعث المسلمين على أن يطوروا هذه الأنشطة الخادمة له ما أمكنه, وأن يبعثوها في كل فترة من الزمن بعثا جديدا بحيث يكون ذلك ضمانة لاستمرار تطبيق هذا الحكم, بل ضمانة لاستمرار جدَّته وبقاء حيويته.
  • و إن من الحقائق الإسلامية الثابتة, أن للإنسان أن يمتع نفسه بكل ما قد أباحه الله عز وجل, بل يجب عليه أن لا يحرم على نفسه ما قد أباحه الله له, كما يجب عليه أن لا يجعل من مباحات وسيلة إلى محرم كالفخر والخيلاء والبذخ. وهذا من المبادئ التي نص عليها كتاب الله عز وجل في مثل قوله تعالى : ” قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق “. [ الأعراف : 32 ] وفي مثل قوله تعالى : ” وكلوا واشربوا ولا تسرفوا … “. [ ألإعراف : 31 ] وقوله : ” كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور”. [ سبأ : 15 ]. إن هذا الحكم بكل ضوابطه وذيوله من الأحكام الثابتة التي لا تتبدل مع الزمن قط. غير أنه يهيمن على أنشطة كثيرة في حياتنا, ويفتح أمامنا آفاقا لا حد لها من التطور المعاشي ضمن نطاق هذا الحكم. إن هذا الحكم مزودا بضوابطه وقيوده, مستمر ثابت لا يتبدل. وما قد يعده بعض الناس تبديلا وتغيرا له إنما هو تنويع لحالات هذا الحكم وتطبيق لوجوهه. فالخيلاء بالثوب الذي يلبس أو الطعام الذي يؤكل أو الأثاث الذي يستعمل, محرم دائما. ولما كان العرب في صدر الإسلام يجعلون من طول الثوب وجره على الارض تعبيرا عن التعاظم والخيلاء, كان ذلك العمل محرما, إذ كان تعبيراعن صفة محرمة .. فلو أن العادة انعكست بحيث أصبح قصر الجلباب تعبيرا عن الكبر والخيلاء فإن الحرمة تتحول إليه, ويعود طول الجلباب إلى أصل الإباحة. أليس بوسعك إذا أن تلاحظ أن الحكم في حقيقته إنما هو النهي عن التعاظم والخيلاء وهو محور ثابت مستقر تدور عليه الاعراف والعادات .. ثم أن تلاحط مدى الخطأ الذي يقع فيه أولئك الذين وضعوا العادات المتبدلة محل المحور الثابت, ومن ثم زعموا أن أحكاما إسلامية تتطور وتتبدل. وكان بوسعهم, لو تأملوا, أن يدركوا بأن تطبيقات الحكم الثابت أتباع هي التي تطورت وتبدلت, والحكم الاساسي الذي هو في الحقيقة حرمة التباهي والخيلاء في أي مظهر تَبَدَّى, وبأي عمل تُرجم. يدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ” ويزيده وضوحا وتأكيدا أن أبا بكر رضي الله عنه لما أفزعه طول الثوب الذي ارتداه ذات مرة , وخشي أن يصبح بذلك في عداد من قد تهددهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق, جاء يسأل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فطمآنه قائلا : ولكنك لا تلبسه خيلاء.
  • وإن من الأحكام والمبادئ الثابتة أن من تشبه بقوم فهو منهم. وإن في الناس من يظن أنه حكم يتبدل ويتطور مع الزمن, ولكنهم لو تأملوا وأمعنوا النظر لعلموا أن الذي يتطور ويتبدل إنما هو تطبيقات هذا الحكم, وهي لا تتبدل إلا تحت سلطان هذا المبدأ الثابت المستمر.
  • مثال آخر نسوقه لبيان هذه الحقيقة, وهي أن كل ما يتضمنه الإسلام من المبادئ والأحكام ثوابت راسخة لا تتغير. وهو على أن المسلم أن يعلم ويوقن بأن الله عز وجل منزه عن الشبيه والنظير. ومهما تطورت أفكارنا أو تبدلت أقطارنا أو اتسعت علومنا  فإن هذه العقيدة تظل أساسا ثابت راسخا من أسس الإسلام وحقيقته. ومصدر ذلك قول الله عز وجل : ” ليس كمثله شيئ “. [ الشورى : 11 ] وقوله عز وجل : ” ولم يكن له كفوا أحد ” [الإخلاص : 4 ]. فإذا استقر هذا اليقين لديك فإن أمامك بعد ذلك ساحة واسعة من المتغيرات الإجتهادية تملك التنقل في رحابها, إذ هي ليست من جوهر الدين … أي بوسعك إذا قرأت قول الله عز وجل : ” يد الله فوق أيديهم “. [ الفتح : 10 ] أن تذهب مذهب المفوضين, فتفهم أن لله يدا كما قال عن نفسه تليق بألوهيته ووحدانيته وتنزهه عن الشبيه والمثيل, وأن تذهب مذهب المؤولين فتفسر اليد بالقوة والغلبة … ذلك لآن ما هو داخل في جوهر الدين وأصوله الاعتقادية بالنسبة لهذه الآية وأمثالها أن توقن بأن لله يدا كما قال, وبأنه منزه في الوقت ذاته عن الشبيه والمثيل. أما ما وراء ذلك من الوقوف عند ظاهر هذه الكلمة وتفويض المعنى المراد بها إلى علم الله عز وجل, أومن تأويلها بأحد الوجوه اللغوية المقبولة لغة فهو جهد اجتهادي يسع الباحث أن يتحرك وأن يتطور في ساحته طبق الظهور السائدة والفهوم البلاغية الرائجة. ومن ثم فهو ليس جزأ من العقائد الإيمانية الجوهرية الثابتة.

13.    أبو الحسن علي (ت. 324هـ. / 936 مـ.)

14.    أبو منصور محمد (ت. 333 هـ./ 944 مـ.)

15.    أبو بكر محمد (ت. 403 هـ./ 1013 مـ.) قاض ومتكلم أشعري

16.    أبو حامد محمد (ت 505 هـ./ 1111 مـ.)

17.    عبد الكريم بن محمد (ت. 623 هـ./ 1226 مـ.)

18.    يحيى بن شرف (ت. 676 هـ. / 1277 مـ.)

19.    ابن دقيق محمد (ت. 702 هـ./ 1302 مـ.) محمدث عالم مصري

20.    المحلي جلال الدين محمد (ت. 864 هـ./1459 مـ,)

21.    السيوطي عبد الرحمن (1445 – 1505 مـ.)

22.    أحمد (974 هـ./ 1567 مـ.) فقيه شافعي مصري

23.    عبد القادر الجيلاني (ت. 561هـ./ 1166 مـ.)

24.    الزبيدي (مرتضى) (1732 – 1790).

25.    أحمد (1817 – 1887) فقيه مكي ومؤرخ

26.    وقد صنف السيوطي في ذلك أرجوزة سماها ( تحفة المهتدين بأخبار المجددين ) : فنحن نذكرها ها هنا ، وهذه هي :

الحـــمد لله العـــــــظيم المـنة

*

المانــح الفــضل لأهـــل السنة

ثم الصــــلاة والســلام نلتـمس

*

علــى نبـي دينــه لا ينــدرس

لقــد أتـى في خـــبر مشـــتهر

*

رواه كــل حـــــافظ معــــتبر

بأنـــه في رأس كـل مــــــائـة

*

يبـعث ربنــا لهــــذي الأمــة

مــــنا عليــــها عـــالمـا يجدد

*

ديـــن الـــهدى لأنه مجــتهد

فـــكان عــند المـائة الأولى عمر

*

خليـــفة العـــدل بإجـماع وقر

والشافعـــي كان عنــد الثـانية

*

لمــا له مــن العــلوم الســـامية

وابــن سريـج ثـالث الأئمـــــة

*

والأشـــعري عـــده مـــن أمـه

والبــاقلاني رابع أو ســهل أو

*

الإســفرايـيـني خلف قد حكوا

والـخامس الحـبر هو الغــزالي

*

وعــده مـــا فيـه مــن جــدال

والسادس الفخــر الإمام الرازي

*

والــــرافعـــي مثـله يــــوازي

والسابــع الــراقي إلى الـمراقي

*

ابـــن دقيـــق العيــــد باتفاق

والثامـــن الحـــبر هو البلقيني

*

أو حـــافظ الأنـــام زين الدين

والشرط في ذلك أن تمضي المائة

*

وهــو علــى حيــاته بين الفئة

يشــــار بالعـــلم إلــى مــقامه

*

وينـــصر الســــنة فـي كــلامه

وأن يكــون جــــامعا لكل فـن

*

وأن يـــعم علـــمه أهــل الزمن

وأن يكــون في حديث قد روي

*

من أهل بيت المصطفى وقد قوي

وكــونه فـــردا هـــو المشهــور

*

قـد نـطق الحـديث والجمهــور

وهـــذه تاسعـــة المــئين قـــد

*

أتت ولا يخلف ما الهادي وعد

وقــد رجــوت أننـــي المجدد

*

فيها ففضــل الله ليس يجحــد

وآخـــر المـــئين فــيما ياتـــي

*

عيســى نبـي الله ذو الآيــــات

يجــدد الــدين لهــــذي الأمة

*

وفـــي الصــلاة بعضــنا قد أمه

مقـــررا لشرعـــنا ويحــــــكم

*

بحـــكمنا إذ في السمـــــاء يعلم

وبعــده لم يبــــق من مجـــدد

*

ويرفـــع الــقرآن مثــل ما بدي

وتكــثر الأشـــرار والإضاعــــة

*

من رفعـــه إلى قيـــام الساعـــة

أحمــــد الله علـــى ما علـــما

*

ومـــا جلا مـن الخــفا وأنعــما

مصلــيا علــى نبـي الرحمـــة

*

والآل مـــع أصحــابه المكرمــة

(عون المعبود ج 9 / ص 326)

27.    صحيح مسلم – (ج 9 / ص 376), صحيح البخاري – ( حـ. 2737 ج 10 / ص 114).

28.   سنن أبي داود ولم يضعفه – (ج 7 / ص 64), والسنن الكبرى للبيهقي – (ج 3 / ص 121), ومسند الشاميين للطبراني – (ج 5 / ص 90).

29.   سنن أبي داود – (حـ. 2170 ج 7 / ص 63), ومسند أبي يعلى الموصلي – (حـ. 4198 ج 9 / ص 346), ومشكاة المصابيح – (حـ. 59 ج 1 / ص 13), سنن أبي داود – (حـ. 2532 ج 6 / ص 32). وفي عون المعبود (جزء 7 –  صفحة 148) :

(ثلاث من أصل الإيمان  الكف عمن قال لا إله إلا الله) أي وأن محمدا رسول الله  (ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل)  أي ولو كبيرة سوى الكفر (والجهاد ماض) أي والخصلة الثانية كون الجهاد ماضيا ونافذا (منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي ) يعني عيسى أو المهدي ( الدجال ) وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقيا (لايبطله جور جائر ولا عدل عادل) أي لا يُسْقِط الْجِهَاد كَوْن الْإِمَام ظَالِمًا أَوْ عَادِلًا وَهُوَ صِفَة مَاضٍ أَوْ خَبَر بَعْد خَبَر (والإيمان بالأقدار) أَيْ بِأَنَّ جَمِيع مَا يَجْرِي فِي الْعَالَم هُوَ مِنْ قَضَاء اللَّه وَقَدَره .اهـ.

30.    صحيح ابن حبان – (حـ. 6839 ج 27 / ص 471), والمستدرك على الصحيحين للحاكم – (حـ. 7122 ج 16 / ص 344) بلفظ ” تشبثت بالتي تليها وأول نقضها الحكم وآخرها الصلاة ” قال الحاكم رحمه الله تعالى : ….والإسناد كله صحيح ولم يخرجاه, ومسند أحمد – (حـ. 21139 ج 45 / ص 134) بلفظ : لَيُنْقَضَنَّ.

31.    البقرة : 286

32.    الطلاق : 7

33.    تنقسم جملة الأمور المشروعة في الإسلام إلى قسمين :

قسم تقوم شرعته على أساس مطلق من حكم الإباحة أو الوجوب أو الندب, يخاطب به الناس جميعا بوصف كونهم أفرادا وجماعات, فهي مشروعات دورية متكررة في كل زمان وعصر تتعلق بكل فرد من المسلمين على حدة, ليس لنبي ولا لحاكم أو سلطان أن يغير منها أو يقضي منها على بعض الناس دون بعض أو في بعض الصور دون الأخرى. ويمثل لهذا القسم بالواجبات والمندوبات الدينية المختلفة, وبالمباحات التي لا يعترضها أو يشوبها شئ من المحرمات كالطعام والشراب.

وقسم آخر تقوم شرعته على أساس من إعطاء الشارع جل جلاله الصلاحية للحاكم المسلم أن يقضي فيه بما يرى أنه الخير والمصلحة للمسلمين عامة, ضمن دائرة محدودة لا يتجاوزها. ويسمى هذا الحكم بحكم الإمامة أو السياسة الشرعية. والأمور التي اقتضت حكمة الباري جل جلاله أن يتعلق بها هذا النوع من التشريع, هي تلك التي يختلف أثرها في المجتمع ما بين عصر وآخر أو بلدة وأخرى, ويتأثر وجه المصلحة فيها بطوارأ الظروف والأحوال, ويُمثل لهذا القسم يإعلان حالة الحرب والسلم, وإتلاف أشجار العدو ومختلف ممتلكاتهم أو تركها دون أن تمس بأذى, كما يمثل له أيضا بالسياسة التي ينبغي أن تتّبع بشأن الأسرى من قتل أو استرقاق أو مَنٍّ أو فداء. كما يمثل لها بأمور كثيرة أخرى منها ما هو متفق عليه أنه من هذا النوع, ومنها ما هو محل خلاف بين الأئمة. ولا مجال لسردها والحديث عنها في هذا المقام. فالمشروعية, بالنسبة لهذا القسم الثاني, لا تعني الإباحة المطلقة أو الوجوب المطلق, على نحو ما أوضحناه بالنسبة للقسم الأول وإنما هي تعني نوعا من الصلاحية يخولها الشارع جل جلاله لمن كانت بيد السلطة من رسول أو خليفة أو رئيس, بالنسبة لأمور قد تختلف وجه المصلحة في معالجتها مع اختلاف الظروف, وتبعا لما قد يفجأ به المسلمون من طوارئ.. وواجب صاحب السلطة حيال هذه الأمور تطبيق ما تقتضيه المصلحة حسب كل زمان ومكان, في حدود الدائرة التي حدها الشارع.

وعند ما أمرنا الحاكم الحقيقي جل جلاله بأن نتحول عن كل حكم وقانون إلى حكمه وقانونه, وضعنا أمام شريعةٍ رائعة عظمى صالحة لكل زمان ومكان. ومعنى ذلك أنها صالحة في الظروف والأحوال الطبيعية التي يعتمد فيها الناس على قانونهم العام وصالحة في الأحوال والظروف الطارئة التي يُهرع فيها الحكام إلى قانون الطوارئ. فكيف تكون شريعة الله جل جلاله صالحة لهاتين الحالتين ؟… السبيل هو أن تحوي نصوص الشريعة نفسها أحكاما تبليغيةً دائمة يمراسها الفرد والمجموع, لا تتبدَّل ولا تنسخ إلى يوم القيامة, ثم أن تحوي إلى جانب ذلك نصوصا اخرى, تتضمن أحكاما يخاطَب بها الأئمة والحكام, يُعطَون بموجبها صلاحيات معينة, ضمن موازين من المصلحة الشريعة الدقيقة, ذلك كي يواجهوا بها طوارئ الأحوال وتقلبات الظروف, فلا يجدوا معها ما يضطرّهم إلى التحول عن حكم الله إلى أهواء الناس وآراء المغرضين. وهكذا, فالشريعة الإسلامية بقسميها اللذين شرحناهما حاوية لكل من القانون الدوريّ العام وقانون الطوارئ, وهذا أروع مظهرٍ من مظاهر مرونته وخلوده وصلاحيته لكل عصور وفي كل حال.

إذا علمت هذا, نقول : إن مسألة الاسترقاق عن طريق الأسر, مسألة يُناط وجه المصلحة فيها بمقتضيات الحرب والسّلام وسياسة الأمم المتعادية بعضها تجاه بعضها. أي لا يمكن لدولة ما أن تقطع فيها بأمر إلا على ضوء ما تلتزم به الدول الأخرى تجاهها.

وربما أمكن أن تجتمع جميع الدول في عصر من العصور على ميثاق بيّن تتواضع عليه وتسير على نهجته, كما هو الحال في عصرنا هذا, ولكن ليس من المضمون أن لا يأتي الغد القريب أو البعيد بظروف تلغى فيه جميع هذه المواثيق والاتفاقيات, وتظهر على مسرح الدنيا دول وحكومات تستبيح لنفسها كل ما تصورها لها أخيلة الشر والإجرام, ولا تُقيم للكرامة والحرّية الإنسانية أي وزن.

34.   التوبة : 34 – 35

35.   رواه مسلم

36.  إن الاصل في وجوب الزكاة في النقدين هو الذهب و الفضة سواء أكانت مضروبة أو غير مضروبة ولما كانت أوراق البنكنوت التي يصدرها البنك الوطني في كل دولة بضمانته مما يتعامل به الناس في جميع معاملاتهم المالية من شراء وبيع وسداد ديون وغير ذلك من التصرفات التي يتعاملون بها في الذهب والفضة المضروبة أي المسكوكة بل أصبح الناس الآن إنما يتعاملون بهذه الأوراق ولم يعد يرون العملة الذهبية قط في معاملاتهم ولا الفضية إلا في المبالغ التافهة فصارت هذه الأوراق أثمان الأشياء ورؤوس الأموال وبها يتم التعامل داخل كل دولة وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غنيا ولها قوة الذهب والفضة في قضاء الحاجات وتيسير المبادلات فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء شأنها شأن الذهب والفضة فبناء على ذلك كله فإنها تأخذ حكم الذهب والفضة وتعتبر نقودا تجب فيها زكاة المال كما تجب في الذهب والفضة فالقدرالواجب إخراجه هو ربع عشرها(2,5%) بشرط توفر شروط وجوب الزكاة من كون المال فاضلا عن الحوائج الأصلية لمالكه كالنفقة والسكن والثياب وحاجة من تجب نفقته عليه شرعا وأن يحول عليه حول قمري كامل والايكون المالك مدينا بما يستغرق المال المدخر أو ينقصه عن هذا النصاب والله أعلم.

37.   رواه البخاري. وفي عمدة القاري  على صحيح البخاري  [ جزء 16 –  صفحة 38] قال حدثنا إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه واقرؤا إن شئتم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليكم شهيدا . صحيح البخاري – (ج 11 / ص 266)

38.    هذه نماذج قليلة من مظاهر التطور المختلفة والمتنوعة في مجال التكنولوجيا التي سرت في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم , بل تجلى أكثر هذه المظاهر خلال القرن الأول من القرون الثلاثة التي هي عمر العصور الإسلامية المثلي بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم

لقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة أعرافهم وعاداتهم التي نشؤوا عليها وتعاملوا بها : فلما هاجروا إلى المدينة المنورة استقبلت هم بعادة غير التي مارسوها, وأحوال غير التي عرفوها, سواء ما يتعلق من ذلك باللباس والمسكن والظروف الناتجة عن الاحتكاك بالآخرين وضرورات مواجهتهم أو التعاون معهم, فأقبلوا إلى ذلك كله متعرفين ومتبصرين, ثم ركنوا إليه راضين ومتفاعلين.

وكانوا في مكة لا يعرف جلهم المخيط من الثياب, فلما استقروا في المدينة وتسامع بهم أهل المدن الأخرى واحتكوا بهم, لبسوا الثياب المخيطة والحلل اليمانية والأعجمية الفاخرة… وكانت بيوتهم في مكة لا تعرف الكنف, فلما صاروا إلى المدينة اتخذوها ودعوا إليها : وكانوا لا يستعملوها الأطباق أو الأقداح الزجاجية ولا يعرفونها, وكان قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روي عن أنس رضي الله عنه في الصحيح من خشب غليظ. ثم عرفها الصحابة واتخذوها وشربوا فيها وكان صلى الله عليه وسلم لا يتختم طوال المدة التي قضاها في مكة ومعظم حياته التي أمضاها في المدينة المنورة, ثم لما قيل له إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما, اتخذ ختما من فضة نقشه ثلاثة أسطر : محمد رسول الله وصار يختم به الكتب وبقي صلى الله عليه وسلم سبع أو ثماني سنوات يخطب الجمعة في مسجده الشريف مستمدا إلى جذع, ثم جائته امرأة من الأنصار فيما رواه البخاري عن جابر فقالت له : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه, فإن لي غلاما نجارا ؟ قال : إن شئت فعملت له المنبر, فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له .. ولم يكونوا في مكة يعنون بكتابة ولا قراءة, فلما هاجر النبي ومعه أصحابه إلى المدينة ندّب أصحابه إلى تعلم الكتابة والقراءة, واتخذت لذلك مدرسة دار مخرمة بن نوفل ووظف رسول الله صلى الله عليه وسلم لمهمة تعليم الكتابة ونشرها بين أصحابه النساء والمشركين, كما هو معروف .. وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده باللبن, وسقفه بجريد النخل وترك أرضه متربة, فما جائت خلافة عثمان حتى كان مسجده هذا مشيدا بالحجارة والجص .. وكانت أزقة المدينة ضيقة وبيوتها منخفضة, فلما كانت خلافة عمر واتسعت الفتوحات ودخلت العراق في حظيرة الدولة الإسلامية, أخذ يخطط عمر لبناء الكوفة, ويحدد مقاييس جديدة لعرض الشوارع الرئيسية والأزقة القرعية ومدى ارتفاع البناء, تتناسب والأوضاع الحديثة, وتتفق مع التطور العمراني الجديد في تلك الأصقاع المتحضرة النائية ..

39.    صحيح مسلم – (ج 1 / ص 350), سنن الترمذي – (ج 9 / ص 218), سنن ابن ماجه – (ج 11 / ص 485), مسند أحمد – (ج 8 / ص 131).

40.    صحيح مسلم – (حـ. 3544 ج 10 / ص 36), وسنن الترمذي – (حـ. 2155 ج 8 / ص 172), وسنن ابن ماجه – (حـ. 10  ج 1 / ص 12), مسند أحمد – (حـ. 14193 ج 29 / ص 242).

41.    البقرة : 115

42.    السنة للخلال ج 2 ص 495

43.   قد سبق تخريجه.

44.   البقرة :  267

45.    هذه نماذج قليلة من مظاهر التطور المختلفة والمتنوعةفي مجال الفتاوي التي سرت في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم , بل تجلى أكثر هذه المظاهر خلال القرن الأول من القرون الثلاثة التي هي عمر العصور الإسلامية المثلي بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لم يكن طوال عهد الصحابة من يمنع أحدا من تشييد بناء على أي أرض من أراضي مني بامتلاك أو استئجار , فلما كان عهد عمر بن عبد العزيز وكثر الحجيج , أرسل بكتاب إلى مكة ينهى فيه عن تشييد المباني بمنى توفيرا لراحة الحجيج .:

ولم نسمع أن في الصحبة من اعتد بشهادة الصبيان في أي نوع من أنواع الأقضية أو النزاعات . فلما كان عهد التابعين رأى عبد الرحمن بن  أبي ليلى- الفقيه التابعي المشهور – إجازة شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراحات وتمزيق الثياب التي تكون بينهم في الملاعب  مالم يتفرقوا لأن العدول من الناس قلما يحضرون ملاعب الصبيان أو يختلطون بهم , فلو توقفت صحة الشهادة مع ذلك عليهم لما انحلت مساكنهم التي فيما بينهم .

وقد استحدث فقهاء التابعين في أقضيتهم الشرعية مسائل وأحكاما لم يكن للصحابة عهد ولا علم بها , وحسبك من ذلك ما رواه ابن سعد عن صفيان عن أبي هاشم عن البحتري , قال : جئت إلى شريخ فقلت له : ما الذي أحدثت في القضاء ؟ فقال : إن الناس قد أحدثوا فأحدثت .

وكان الصحابة رضوان الله عليهم ينزعون إلى التسليم بنصوص القرآن والسنة , لا سيما في أمور العقائد , دون أي اقتحام بالجدل إلى شيء منها , فإذا جاء من تجرأ وناقش وحاول أن يطرح شبهة تسللت إلى فكره ¸ انتهروه وأغلظوا عليه في القول ونسبوه إلى الابتداع .. فلما ازدهر عصر التابعين وراجت سوقهم العلمية وتناقص عدد الصحابة , واتسعت الفتوحات ودخل في الإسلام كثير من أصحاب الديانات  الأخرى كاليهودية والنصرانية والمانوية والزرادشتية , وهم يحملون في أدهانهم أثقالا من شبهات أديانهم وهرطقاتها – لم يكن بد من الإصغاء إلى شبههم ومشكلاتهم ورد غائلتها – عن عقولهم بالمنطق العلمي .وهذا ما أخذ جلّ الصحابة يفعلونه, فكم ناقش عبد الله بن عباس شبهات وأوهاما في رؤوس أشخاص جاؤوا يشكونها إليه , فكم ناقش علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في القضاء والقدر وأمور الجبر والاختيار , أدى عن المساجلات والمناقشة العلمية التي اقتحم غمارها كثير من التابعين , درأ للشبهات وحماية لأمور المسلمين أن يعلق بها الزغل , من أمثال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن أبي الرباح وسليمان بن يسار وطاوس بن كيسان وغيرهم ..ومن رجع إلى كتاب الأسماء والصفات للبيهقي رأى الكثير من المناقشات والاستدلالات المنطقية والتأويلات المجازية التي كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهدهم الأول يتورعون من الدخول فيها.

46.   العنكبوت : 69

Tagged: , , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

What’s this?

You are currently reading رسالة مفيدة للشيخ ميمون زبير في تطور الازمان بين يدي امة الاسلام at Spirit Islam Inside.

meta

%d bloggers like this: