أثر حفظ اللسان في اصلاح الاعمال

March 12, 2014 § Leave a comment

حفظ اللسان له اثر عجيب في تربية النفوس، لذلك كان دأب سلفنا الصلحين الصمت عما لا ينفع والاكثار من الذكر كأن لا يشبع.

ولقد قال الله تعالى :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا

 يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ

قال الإمام ابن كثير :

وروى عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، قال عكرمة القول السديد لا إله إلا الله وقال غيره السديد الصدق وقال مجاهد هو السداد وقال غيره هو الصواب والكل حق.

قال السعدي : يأمر تعالى المؤمنين بتقواه، في جميع أحوالهم، في السر والعلانية، ويخص منها، ويندب للقول السديد، وهو القول الموافق للصواب، أو المقارب له، عند تعذر اليقين، من قراءة، وذكر، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعلم علم وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب، في المسائل العلمية، وسلوك كل طريق يوصل لذلك، وكل وسيلة تعين عليه. ومن القول السديد، لين الكلام ولطفه، في مخاطبة الأنام، والقول المتضمن للنصح والإشارة، بما هو الأصلح.

فهذه الاية دليل على أن القول السديد يورث اصلاح الاعمال وغفران الذنوب.

وروى الترمذي بسنده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تُخْبِرُنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16]- حَتَّى – {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟» ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ «ثُمَّ قَالَ:» أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ «، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ:» اكْفُفْ عَلَيْكَ هَذَا «، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَإِنَّا لَمَأْخُوذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ؟ قَالَ:» ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ “

فدل أن دخول الجنة باقامة الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان والحج وتطوع الصيام وقيام الليل والناس نيام والجهاد، ملاك كلها انما هو بصيانة اللسان.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي “وَقَوْلُهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ فَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَفَّ اللِّسَانِ وَضَبْطَهُ وَحَبْسَهُ هُوَ أَصْلُ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، فَقَدْ مَلَكَ أَمْرَهُ وَأَحْكَمَهُ وَضَبَطَهُ”

وقال المباركفوري “وَإِنَّمَا أَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلِسَانِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اكْتِفَاءٍ بِالْقَوْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَمْرَ اللِّسَانِ صَعْبٌ وَالْمَعْنَى لَا تَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْنِيَكَ فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقْطُهُ وَمَنْ كَثُرَ سَقْطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَلِكَثْرَةِ الْكَلَامِ مَفَاسِدُ لَا تُحْصَى”

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» أخرجه البخاري

وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا سُخْطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ»

فالكلمة الطيبة تورث رضوان الله وإن كان صاحبه لا يهتم بها و لا يعتد بها ولا يعقد بها القلوب , كذالك الكلمة الخبيثة تورث سخط الله. واذا رضي الله عن عبده يسر له الخيرات في الدنيا الى ان يلقاه و اذا نال العبد سخط الله احاطت به سيئاته الى أن يلقاه. فكل ميسر لما خلق له.

وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ. أخرجه أحمد

والمراد بالايمان هنا هو التصديق والعمل. واستقامة الأعمال من استقامة الإيمان في القلب لأنها فرع له.

وقال تعالى في وصف صفة أهل الجنة :

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ

فبدأ بالهداية الى القول الطيب قبل الهداية الى سلوك طريق العزيز الحميد، كقوله تعالى :

إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ

قال القرطبي : قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) أَيْ أُرْشِدُوا إِلَى ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، ثُمَّ قِيلَ: هَذَا في الدنيا، هدوا إلى الشهادة، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) أَيْ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ. وَصِرَاطُ اللَّهِ: دِينُهُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ.

ومما يدل أيضا على أن حسن المقال أصل في حسن العمل قوله تعالى :

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً} شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} وَهُوَ الْمُؤْمِنُ، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} يَقُولُ: يُرْفَعُ بِهَا عَمَلُ الْمُؤْمِنِ إِلَى السَّمَاءِ.

قلت :وعلى هذا ففيه حذف المضاف فيقدر لفظ “صاحب” ليفهم المعنى فهما جيدا، يعني صاحب كلمة طيبة وهو المؤمن كشجرة طيبة وهي النخلة كما ورد في الحديث. فعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي» فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: «هي النخلة». أخرجه البخاري

قال الامام ابن كثير : وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وعِكْرِمة وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُؤْمِنِ، وَقَوْلِهِ الطَّيِّبِ، وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ كَالشَّجَرَةِ مِنَ النَّخْلِ، لَا يَزَالُ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي كُلِّ حِينٍ وَوَقْتٍ، وَصَبَاحٍ وَمَسَاءٍ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ السُّدِّي، عَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ.

وَشُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَة، عَنْ أَنَسٍ: هِيَ النَّخْلَةُ.

وقد وقع في كثير ممن دخل دين الاسلام الاحساس بتغير احوالهم بمجرد قول “لا اله الا الله” , فيجدون كانهم ولدوا مرة ثانية. واصبحوا ينبتون نباتا جديدا حسنا يِؤتون ثمرات ايمانهم كل حين باذن ربهم. ولا شك أن الشهادة هي مفتاح جميع اعمال الصالحة.

وأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَابْن جرير عَن عمر بن قيس رَضِي الله عَنهُ قَالَ: مر رجل بلقمان عَلَيْهِ السَّلَام وَالنَّاس عِنْده فَقَالَ: أَلَسْت عبد بني فلَان قَالَ: بلَى

قَالَ: أَلَسْت الَّذِي كنت ترعى عِنْد جبل كَذَا وَكَذَا قَالَ: بلَى

قَالَ: فَمَا الَّذِي بلغ بك مَا أرى قَالَ: تقوى الله وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَطول السُّكُوت عَمَّا لَا يعنيني

فما وقع ما وقع للقمان وما بلغه ما بلغ الا مصداق وعد الله لمن يتقي الله، ويسدد قوله.

ولما قيل للحسن البصري : فلان يحفظ القرأن، قال : بل القرأن يحفظه. وهو المشاهد لكثير من السلمين الذين حاولوا كتابة كتاب الله في الواح صدورهم، تغيروا احوالهم الى احسن الاحوال بمجرد كثرة قرائتهم لكتاب الله حتى وان كانوا لا يفهمون معناه.

بيان  ما هو حفظ اللسان

وحفظ اللسان مشتمل على امرين : قَوْلُ الْخَيْرِ وَالصَّمْتُ عَمَّا سِوَاهُ. وفي هذا قال الله تعالى :

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ” فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول “لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ” فهو هذا بعينه أو ما سمعت الله يقول “يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا” فهو هذا بعينه أو ما سمعت الله يقول في كتابه “وَالْعَصْرِ , إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ , إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” فهو هذا بعينه. أخرجه ابن مردويه

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. متفق عليه

قال ابن رجب الحنبلي : فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ أُمِرَ بِقَوْلِ الْخَيْرِ، وَبِالصَّمْتِ عَمَّا عَدَاهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ كَلَامٌ يَسْتَوِي قَوْلُهُ وَالصَّمْتُ عَنْهُ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِقَوْلِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ خَيْرٍ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِالصَّمْتِ عَنْهُ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ وَأُمِّ حَبِيبَةَ يَدُلَّانِ عَلَى هَذَا.

وعَنْ أَسْوَدَ بْنِ أَصْرَمَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ هَلْ تَمْلِكُ لِسَانَكَ قَالَ قُلْتُ فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ لِسَانِي قَالَ فَهَلْ تَمْلِكُ يَدَكَ قَالَ قُلْتُ فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ يَدِي قَالَ فَلا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلا مَعْرُوفًا وَلا تَبْسُطْ يَدَيْكَ إِلا إِلَى خَيْرٍ. أخرجه الطبرني

وعن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَزَالَ سَالِمًا مَا سَكَتَّ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ، كُتِبَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» أخرجه أيضا

وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ: ” لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ، لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ “. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: ” لَا، إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا، وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنَ الْخَيْرِ ” أخرجه أحمد

فبهذا يعلم انه ليس كل السكوت ممدوح بل السكوت عن المنكرات مثلا من المذموم ومن اسباب نزول اللعنة والعذاب.

كيفية طريق الوصول اليه

واذا علمت أن اصلاح الاعمال لا يتم الا بصيانة اللسان فاعلم أن اول الطريق الذي يوصل اليه هو الاكثار من ذكر الله عز وجل . لان في الاشتغال بالذكر اشتغال عن ما لا يعنيه ولقد قال النبي صل الله عليه وسلم:

“مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.

قال ابن رجب الحنبلي :

وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مِنْ عَلَامَةِ إِعْرَاضِ اللَّهِ تَعَالَى، عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: مَنْ تَكَلَّمَ فِيمَالَا يَعْنِيهِ، حُرِمَ الصِّدْقَ، وَقَالَ مَعْرُوفٌ: كَلَامُ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ خِذْلَانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

ثم قال :

وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي الْمَرْءَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِهِ، فَإِذَا تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَفَعَلَ مَا يَعْنِيهِ كُلَّهُ، فَقَدْ كَمُلَ حُسْنُ إِسْلَامِهِ.

وفيه اعتياد اللسان بالكلمة الطيبة،  حتى اذا استقام اللسان بالذكر استقام القلب به واذا استقام القلب به استقام الجوارح بالاعمال الصالحات.

كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ.

قال السيد محمد بن علوي المالكي :

والذِّكر يُهذّب الأخلاق ويُرقِّق الطباع، فيربط على قلب الخالق حتى يثبته في ميادن الجهاد , ويصلح حال العاجز عن العبادة حتى ينشط لذكر الله , ويصلح حال البخيل فصار كريما محمودا ببركة الذكر.  قال صلّى الله عليه وسلّم: “مَن عجَزَ منكم من الليل أن يكابدَهُ، وبَخِل بالمال أن يُنفِقَه، وجَبُنَ عن العدوِّ أن يُجاهدَهُ، فليُكثِر ذِكرَ الله”. روى الطبراني والبزار

قال الامام القشيري : والذكر عَلَى ضربين: ذكر اللسان وذكر القلب فذكر اللسان بِهِ يصل العبد إِلَى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب.

وقال ايضا : سمعت الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك يَقُول: ذكر اللسان فضلة يفيض عَلَيْهَا القلب.

وقال الامام عبد الله بن علوي الحداد : لا تنفع الأوراد الا مع الدوام ولا تؤثر الا مع الحضور.

اذا، فذكر اللسان وسيلة الى ذكر القلب فهو تدريب وتربية للنفوس الى مداومته واعتياده. فاذا رسخ ذكر الله في القلب ويتولى فيه أصبح العبد لا يستأنس ولا يطمئن إلا به ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتكلم ولا يسكت ولا يحب ولا يغضب ولا يخشع ولا يخضع الا له ولا يخاف ولا يرجى إلا منه ولا يتوكل ولا يعتمد إلا عليه. وحينئذ يتحقق معنى العبودية التي ما خلق الجن والإنس إلا لأجلها.

أهم الذكر بالمداومة

وأجل الذكرقدرا ونفعا وتأثيرا هو تلاوة القرأن لما فيه من الموعظة والشفاء والهدى والرحة لقوم يؤمنون. قال تعالى :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ

وهو المطر ينزل الى قلوب المؤمنين فيحييها رحمة من عند الله. والأولى لباغي الخير ان يحفظه مع تفهم معناه لا مجرد قرائته.

ثم الإكثار من قول لا إله إلا الله لما مر من تفسير القول السديد والكلمة الطيبة والطيب من القول بها.

وقد قال النبي صل الله عليه وسلم :

“جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ” ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: “أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ”.  أخرجه أحمد والحاكم

والاعمال فرع من الإيمان فاذا جدد حسن نباته وكثر فروعه وطاب ثماره. فالإيمان كالشجر عروقه الراسخ في الأرض هو التصديق بالقلب، وأصله كلمة لا إله إلا الله، وفرعه هو الأعمال، فلا يصح  وجود الأعمال بلا الشهادة  وكلما كبر اصله وقوي كثر فرعه. فبهذا جعل كثرة الأعمال علامة لقوة رسوخ الإيمان في القلب.

ثم الإستغفار لما فيه لما فيه من إزلالة قذر الذنب في القلوب التي تعاوق من قبول الهداية.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالَةً، وَإِنَّ صِقَالَةَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا مِنْ شَىْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ” قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ، إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ [ص:334] عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ” أخرجه أحمد والترمذي والحاكم

ثم الإكثار من الصلاة على خير البرية لما فيه من الخير الكثير والبركة الشاملة. وهي الوسيلة الى قبول أعمال العبادة. لذا جعلت عند دبر الصلوات و خواتم الدعوات واستحب اقترانها بكثير من القربات.وهي زكاة لأنفسنا وقد أفلح من تزكى. فعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلوا عَليّ فَإِن الصَّلَاة عَليّ زَكَاة لكم. َرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وأبو يعلى

قال العلامة ابن القيم : فَهَذَا فِيهِ الْأَخْبَار بِأَن الصَّلَاة زَكَاة للْمُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالزَّكَاة تَتَضَمَّن النَّمَاء وَالْبركَة وَالطَّهَارَة وَالَّذِي قبله فِيهِ -يعني الحديث “صلوا عَليّ فَإِن الصَّلَاة عَليّ كَفَّارَة لكم”-  أَنَّهَا كَفَّارَة وَهِي تَتَضَمَّن محو الذَّنب فتضمن الحديثان أَن بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تحصل طَهَارَة النَّفس من رذائلها وَيثبت لَهَا النَّمَاء وَالزِّيَادَة فِي كمالاتها وفضائلها والى هذَيْن الْأَمريْنِ يرجع كَمَال النَّفس فَعلم أَنه لَا كَمَال للنَّفس إِلَّا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي هِيَ من لَوَازِم محبته ومتابعته وتقديمه على كل من سواهُ من المخلوقين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

 والله اعلم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

What’s this?

You are currently reading أثر حفظ اللسان في اصلاح الاعمال at Spirit Islam Inside.

meta

%d bloggers like this: